السيد محمد تقي المدرسي
276
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
3 - التقوى ميراث الشكر : حين يعي الإنسان النعم وعيا كافيا ، بواجب التسليم لله ، وشكر الله سبحانه عليها . دعنا نتدبر - معا - في آيات من سورة البقرة ، والتي نعرف منها : ان حقائق الايمان بعضها من بعض ، وانها تتكامل في حياة المؤمن ، قال الله تعالى : ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ، يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر ، ان الله مع الصابرين ، ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ، بل احياء ولكن لا تشعرون . ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، وبشر الصابرين . الذين إذا اصابتهم مصيبة ، قالوا : انا لله وانا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، وأولئك هم المهتدون ، ان الصفا والمروة من شعائر الله ، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بها ومن تطوع خيرا فإن الله شاكرا عليم ) « 1 » . فبعد ان يأمر القرآن باتباع القبلة الجديدة ( المسجد الحرام ) والتسليم لامر الله فيه لأنه الحق ، وبعد ان ينهى عن خشية الناس ( كقيمة جاهلية ) في أمر القبلة بعدئذ يذكر المسلمين بنعمة الرسالة والرسول ، ويأمرهم بتذكر هذه المنة الإلهية الكبرى وان يشكروا الله عليها ( قلبا ولسانا وعملا ) ولا يكفروا بها ( عبر الاستخفاف بها أو التهاون في العمل بواجب التسليم لها ) . ويبدو من هذه الآية ان قيمة الشكر لنعمة الرسالة ، قيمة كبرى تنبعث منها شرائع العبادة ( الصلاة ، الصيام ، الجهاد ، الحج ) والعبادات - بدورها - هي النواة المركزية للأمة ، وحجة الزاوية في بنائها ، والصبغة العامة لشخصيتها ، والقوة التنفيذية لسائر الاحكام والشرائع ، وهكذا أمر السياق بها بعد الحديث عن الرسالة والرسول ، مع الإشارة إلى ما تقوم بها العبادات من تصليب شخصية المؤمن ، وتعويده على الصبر والصمود امام نوائب الدهر .
--> ( 1 ) - البقرة / 152 - 158 .